أحمد بن علي القلقشندي

414

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المنصور ، ثم المهديّ ، والبريد لا يشدّ له سرج ، ولا تلجم له دابّة . ثم إن المهديّ أغزى ابنه هارون الرشيد الرّوم ، وأحبّ أن لا يزال على علم قريب من خبره ، فرتّب فيما بينه وبين معسكر ابنه بردا كانت تأتيه بأخباره ، وتريه متجدّدات أيّامه . فلما قفل الرشيد قطع المهديّ تلك البرد ؛ ودام الأمر على هذا باقي مدّته ومدّة خلافة موسى الهادي بعده . فلما كانت خلافة هارون الرّشيد ، ذكر يوما حسن صنيع أبيه في البرد التي جعلها بينهما ، فقال له يحيى ابن خالد : لو أمر أمير المؤمنين بإجراء البريد على ما كان عليه ، كان صلاحا لملكه ، فأمره به ، فقرّره يحيى بن خالد ، ورتّبه على ما كان عليه أيام بني أميّة ، وجعل البغال في المراكز ؛ وكان لا يجهّز عليه إلا الخليفة أو صاحب الخبر ، ثم استمرّ على هذا ؛ فلما دخل المأمون بلاد الرّوم ونزل على نهر البرذون ( 1 ) وكان الزمان حرّا ، والفصل صيفا ، قعد على النّهر ودلَّى رجليه فيه وشرب ماءه ، فاستعذبه واستبرده واستطابه ، وقال لمن كان معه : ما أطيب ما شرب عليه هذا الماء ؟ ، فقال كلّ رجل برأيه . فقال هو : أطيب ما شرب عليه هذا الماء رطب « إزاز » ، فقالوا له : يعيش أمير المؤمنين حتّى يأتي العراق ويأكل من رطبها الإزاز ، فما استتمّوا كلامهم حتى أقبلت بغال البريد تحمل ألطافا فيها رطب إزاز ، فأتي المأمون بها فأكل منها وأمعن وشرب من ذلك الماء ، فكثر تعجّب الحاضرين منه لسعادته في أنه لم يقم من مقامه حتّى بلغ أمنيّته ، على ما كان يظنّ من تعذّرها ؛ فلم يقم المأمون من مقامه حتّى حمّ حمّى حادّة كانت فيها منيّته . ثم قطع بنو بويه البريد حين علوا على الخلافة وغلبوا عليها ، ليخفى على الخليفة ما يكون من أخبارهم وحركاتهم أحيان قصدهم بغداد ، وكان الخليفة لا يزال يأخذ بهم على بغتة . ثم جاءت ملوك السّلاجقة على هذا ؛ وأهمّ ملوك الإسلام اختلاف

--> ( 1 ) قال ياقوت : البرذون بليدة من نواحي خوزستان قرب بصنّى ( معجم البلدان : 1 / 381 ) .